الدكتور أشرف مهاتي استشاري لدى مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)؛ عضو المجلس الاستشاري الأكاديمي في "ستوديوسيتي" (Studiosity)؛ مُقدِّم بودكاست "إعادة تصور التعليم العالي" (Reimagining Higher Education)
الدكتور أشرف مهاتي
استشاري لدى مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)؛
عضو المجلس الاستشاري الأكاديمي في “ستوديوسيتي” (Studiosity)؛
مُقدِّم بودكاست “إعادة تصور التعليم العالي” (Reimagining Higher Education)
كشفت الحوارات الأخيرة مع قيادات جامعية من مختلف أنحاء منطقة الخليج عن رؤى مهمة بشأن مسارات القيمة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، والثقة الأكاديمية، وإعداد خريجين مؤهلين لسوق العمل. وكان السؤال الذي أثار هذه الحوارات هو: ماذا يحدث عندما يتمكن الطالب من كتابة مقال يستحق تقدير «A» في أقل من دقيقة باستخدام أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي؟ ويدفع هذا السؤال القيادات الجامعية حول العالم إلى إعادة النظر في إحدى أقدم المسلّمات في التعليم العالي: إذا أصبحت المعرفة الآن متاحة للجميع مجانًا، وأصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على تقديم إجابات متقدمة على الفور، فما الغرض من الجامعة تحديدًا؟
وخلال هذا العام، أجريت مقابلات مع قيادات جامعية ضمن سلسلة بودكاست Studiosity Reimagining Higher Education. وشملت قائمة الضيوف الخبراء مستشارين ورؤساء جامعات من جامعة أبوظبي، وRIT Dubai، والجامعة الأمريكية في رأس الخيمة، وجامعة حمدان بن محمد الذكية، وبوليتكنك البحرين. وقد برزت خلال هذه النقاشات عدة محاور واضحة تدعم الاستنتاج القائل إن التعليم العالي يشهد تحولًا جذريًا. لم يعد من الممكن أن تقتصر القيمة الجوهرية للجامعة على نقل المعرفة؛ بل يجب أن تكمن في بناء القدرات البشرية، وتنمية القدرة على إصدار الأحكام النقدية، وتعزيز المسؤولية الأخلاقية، والقدرة على التكيف.
العملية قبل المنتج النهائي: تحولات تعيد تعريف التقييم والنزاهة الأكاديمية
لم يعد هيكل التقييم التقليدي، الذي يعتمد بشكل كبير على الامتحانات أو المقالات النهائية التي تمثل جزءًا كبيرًا من الدرجة النهائية للمقرر، قابلًا للاستمرار في ظل قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي على إنتاج أعمال مصقولة في غضون ثوانٍ. وقد عاد جميع القيادات الجامعية الذين أجريت معهم مقابلات تقريبًا إلى الشاغل نفسه: يجب على التعليم العالي تحويل تركيزه من تقييم المنتج النهائي إلى التدقيق في عملية التعلم الأساسية ذاتها وقياسها.
وعندما سألت الدكتور حمد العضابي، نائب مدير جامعة أبوظبي للذكاء الاصطناعي والتميز التشغيلي، عن الكيفية التي يمكن بها للجامعات تقييم التعلم في عصر الذكاء الاصطناعي، رأى أن الواجبات يجب أن تتطور لتصبح رحلات تعلم تكرارية تتضمن نقاط تقييم مستمرة، وعروضًا شفهية، وأدلة عملية تثبت مدى الفهم. وبالمثل، خلص معالي الدكتور منصور العور، مدير جامعة حمدان بن محمد الذكية، إلى أن الحل لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي لا يكمن في تحسين برامج الكشف، بل في تحسين أساليب التقييم. وهو يدعو إلى اتباع نهج «إثبات العمل»، حيث يقيّم الأكاديميون كيفية تطوير الطلاب لأفكارهم من خلال المسودات والتأملات والمناقشات، بدلًا من الحكم على العمل النهائي وحده. وهو نموذج يقوم على الثقة والشفافية والتعلم الأصيل.
وتعالج هذه التحولات بصورة مباشرة المخاوف المستمرة المتعلقة بالنزاهة الأكاديمية. كما ورد في صحيفة Khaleej Times، فإن المراقبة الرقمية المفرطة وأدوات كشف استخدام الذكاء الاصطناعي غير الموثوقة غالبًا ما تسفر عن نتائج إيجابية كاذبة، ما يضع طلاب الجامعات أمام “مصدر غير متوقع من القلق، يتمثل في الخوف من أن تسيء الآلة فهمهم”. ولمواجهة ذلك، تدعو القيادات إلى ترسيخ الثقة بين الأكاديميين والطلاب، على أن تدعمها أساليب تقييم مصممة بعناية.
كما تحدى البروفيسور كياران أو كاثين، الرئيس التنفيذي لـبوليتكنك البحرين، الفصل التقليدي بين الجامعات وقطاع الصناعة. وأوضح أن نموذج 3C الذي تتبناه بوليتكنك، والقائم على الحوكمة المشتركة، والتطوير المشترك، والتنفيذ المشترك مع قطاع الصناعة، يسهم في تشكيل ما يتعلمه الطلاب. وشدد كذلك على أهمية التقييمات الأصيلة، مثل الامتحانات الشفهية ومناقشات المشاريع، باعتبارها وسائل أفضل للتحقق من التعلم من الاعتماد على أدوات كشف استخدام الذكاء الاصطناعي.
مرونة المناهج ومسار القيمة للذكاء الاصطناعي
يتطلب التكيف مع هذا التحول التكنولوجي المتسارع من الجامعات إعادة النظر جذريًا في دورات المراجعة التي اتسمت تاريخيًا بالجمود والبطء. وأوضح البروفيسور بسام علم الدين أنه، استجابةً لهذه الضرورة الملحّة، استبدلت الجامعة الأمريكية في رأس الخيمة (AURAK) خطتها الاستراتيجية التقليدية الممتدة لخمس سنوات باستراتيجية مكثفة مدتها ثلاث سنوات، بهدف التكيف سريعًا مع التحولات التي يحدثها الذكاء الاصطناعي وضمان استمرار ارتباط المقررات التي تقدمها باحتياجات الواقع الراهن. والأهم من ذلك، أنه يرى أن على التعليم العالي إعداد الخريجين لمسارات مهنية ستواصل تطورها، من خلال التركيز على الصفات التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحل محلها، وهي: الفضول، والتواضع، والمرونة، والعمل الجماعي، والتفكير النقدي.
وعندما سألت البروفيسور خالد خواجة، نائب رئيس RIT Dubai للشؤون الأكاديمية، عن الكيفية التي ينبغي للجامعات أن تستجيب بها للذكاء الاصطناعي، قارن التعليم العالي بهندسة البرمجيات. فكما تتطور البرمجيات من خلال منهجيات التطوير المرن، يرى أن المناهج الدراسية يجب أن تصبح أكثر ديناميكية. ويضمن مفهومه لـ«مسار القيمة للذكاء الاصطناعي» أن يتقن الطلاب الأساسيات أولًا، قبل دمج الذكاء الاصطناعي تدريجيًا في تخصصاتهم. وكانت الرسالة واضحة: يجب أن تتطور الجامعات بالسرعة نفسها التي تتطور بها التكنولوجيا التي تُدرّسها.
وفي جامعة حمدان بن محمد الذكية، يتمثل أحد أوجه دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات المؤسسية في استخدام مساعدين قائمين على الذكاء الاصطناعي الوكيلي لأعضاء هيئة التدريس. ومن خلال أتمتة المهام الإدارية الروتينية، وإجراء التعديلات على المناهج، وإنشاء بنوك الأسئلة، تتيح هذه الأنظمة الذكية التخلص مما يصل إلى 95% من الأعمال الإدارية الروتينية التي كثيرًا ما تثقل كاهل الأكاديميين والموظفين. وتتيح هذه الكفاءة التشغيلية للأكاديميين تكريس وقتهم للبحوث ذات الأثر الكبير، وإرشاد الطلاب، والتدريس الذي ينمّي التفكير النقدي. وعلى سبيل المثال، تطبق بوليتكنك البحرين مرونة المناهج عمليًا من خلال نموذج 3C. فمن خلال إشراك قيادات قطاع الصناعة مباشرةً في المجالس الاستشارية وتصميم المناهج، تظل البرامج الأكاديمية متوائمة باستمرار مع متطلبات سوق العمل الفعلية وتحولاته.
العنصر البشري الفارق واقتصاد المهارات
مع تزايد قدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي (genAI) والروبوتات البرمجية على تولي المهام الإدارية الروتينية، تحذر القيادات التعليمية من بروز تحدٍّ جديد يتعلق بقابلية توظيف الخريجين. إذا تولى الذكاء الاصطناعي أتمتة المهام المخصصة عادةً للموظفين المبتدئين وفي بداية مسيرتهم المهنية، فيجب على الجامعات إيجاد سبل أخرى تتيح لطلابها اكتساب الخبرة العملية في المراحل المبكرة من مسيرتهم المهنية.
وتتطلب مواجهة هذا التحدي وضع السمات البشرية التي لا يمكن الاستعاضة عنها، والتي سبقت الإشارة إليها، مثل الفضول والتفكير الإبداعي، في صميم التعليم العالي. ولتنمية هذه السمات، تركز المؤسسات على التعلم التجريبي، ومشاريع التخرج متعددة التخصصات، والشهادات المهنية المدمجة ضمن البرامج الدراسية. كما يمكن لتشجيع العقلية الريادية أن يمكّن الطلاب من خلق فرص جديدة لأنفسهم، بدلًا من الاكتفاء بالبحث عن فرص عمل.
وعلى الصعيد العالمي، وكذلك في منطقة الخليج، ينتقل التعليم العالي من اقتصاد ثابت قائم على الشهادات إلى اقتصاد ديناميكي قائم على المهارات. فلم تعد الشهادة الجامعية الواحدة التي يحصل عليها الفرد في بداية مرحلة البلوغ تمثل نهاية رحلته التعليمية. وكما تشير هذه القيادات الجامعية في منطقة الخليج، يجب أن تؤدي الشهادة دور الأساس للتعلم مدى الحياة، مدعومةً بالشهادات المصغرة، والتطوير المستمر للمهارات في بيئة العمل، والشراكات الأكاديمية المتواصلة طوال المسيرة المهنية.
ولم يكن أكثر ما أثار دهشتي أن جميع الجامعات تستثمر بكثافة في الذكاء الاصطناعي، فقد كان ذلك متوقعًا. بل كانت المفاجأة أن أيًا من القيادات تقريبًا لم يرَ في الذكاء الاصطناعي التحدي الأكبر. وبدلًا من ذلك، تحدثوا عن الثقة، والقدرة على إصدار الأحكام، والفضول، والقدرات البشرية. وتتطلب إعادة تصوّر التعليم العالي من المؤسسات وقياداتها إعادة التفكير في كيفية تقديم التعليم بما يتلاءم مع متطلبات العالم المعاصر. من خلال اعتماد التقييم القائم على العملية، والمواءمة المرنة للمناهج الدراسية، والتعاون الوثيق مع قطاع الصناعة، يمكن للقيادات الجامعية التعامل مع التحولات التي يقودها الذكاء الاصطناعي وتبنّيها، مع الحفاظ على القيمة المستدامة لشهادة التعليم العالي.